بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 3 أبريل 2010

الصحافةا الاحترافية والشعبية .. وفاق أم تضاد

كلما ظهرت وسيلة جديدة من وسائل الاعلام يفرض التساؤل حول ماهية هذه الوسيلة الجديدة وما إذا كانت هناك علاقة تنافسية أم تكامل بينها وبين الأشكال أو الوسائل السابقة لها. ومؤخراً طفى على السطح مفهوم الصحافة الشعبية التى يلعب فيها المواطن العادى دور الصحافي اعتماداً على ما لديه من أدوات جديدة أصبحت متاحة للجميع مثل الانترنت وما تبعه من ظهور المدونات والشبكات الاجتماعية والموبايل.
من جانبى أرى أن العلاقة بينهما علاقة تكاملية وليست تنافسية حيث أنها الامتداد الطبيعى لتطور وسائل الاعلام بحيث يتسع مفهوم المراسل الصحفي ليشمل كل مواطن قادر على تغطية حادث ما تبعاً لقواعد الصحافة الاحترافية المعمول بها، بحيث يتكامل مع وسائل الاعلام المختلفة بما يسمح بتوسيع نطاق التغطية الاعلامية لأحداث ومناطق ربما كان من الصعب الوصول اليها فيما سبق.

الثلاثاء، 26 يناير 2010

مخرات السيول وثقافة رد الفعل .. من المسئول ومن يدفع الثمن؟


كشف وزير الرى المصري عن أن أحد أسباب حدوث آثار تدميرية لسيول سيناء وأسوان، هو حالات التعدى على «المخرات»، مشيرا إلى أن هذه المخرات كانت أنهارا فى العصر المطير، وتحولت بفعل التغيرات المناخية إلى مناطق جافة، ولكن تسقط أمطار بها من فترة لأخرى فى صورة سيول تتكرر فى عدة سيناريوهات، سواء مرة كل ٥ أو ١٠ أو ٥٠ أو ١٠٠ عام، موضحا أن تقديره الشخصى أن السيول الحالية بهذه المناطق تدخل ضمن السيول التى تتكرر مرة كل ٥٠ عاما، وهى من الأنواع التدميرية، مؤكدا عدم حدوث أى آثار على السد العالى أو خزان أسوان بسبب هذه السيول.
وكانت إحصائيات مبدئية لغرفة عمليات مجلس الوزراء قد قدرت خسائر المناطق المنكوبة جراء السيول بمحافظات أسوان وشمال وجنوب سيناء بنحو ٤٠٠ مليون جنيه. وأشارت الإحصائيات إلى تهدم ١١٣٢ منزلاً بشكل كامل، و٣٤٥ بشكل جزئى، وقطع ٩٧ طريقاً، وتدمير وإتلاف وغرق ٧ آلاف و٢٣٣ فداناً مزروعة، واقتلاع ٨٢ برجاً كهربائياً، وإتلاف واقتلاع أكثر من ١٣ ألف شجرة زيتون ونخل وموالح،

وتقدر خسائر المصانع التى توقف عملها بسبب السيول بنحو ٢٠ مليون جنيه، بينما تصل تكلفة إجمالى عمليات إصلاح أبراج الكهرباء والمحطات وشبكات الصرف الصحى ومياه الشرب والغاز إلى نحو ١٠٠ مليون جنيه.

فويل لمن لا يحترم قوانون الطبيعة.. سنن الله في الخلق.. غاب هذا النوع من السيول عن مصر طيلة هذه الفترة فزاغت أعين أصحاب المصالح من الجهلاء الذين لم يؤمنوا يوماً بقيمة العلم فراحوا يتفننون في الحصول على المكاسب من لاشئ أو لنقل إن أردنا الدقة على حساب الفقراء والمحتاجين من أهل مصر الذين يبحثون عن مأوى يعيشون فيه هم وذويهم حتى ولو كان فى قلب مخرات السيول بعدما ضاق بهم الحال مع غلاء أسعار الأراضى وتكاليف البناء.. الملف الذى مازال مفتوحاً في وسائل الاعلام المصرية يكشف عن مفاسد أهل السلطة ونقص المعلومات لدى البسطاء من أهل مصر .. يمكنك مطالعة المزيد على الروابط التالية:
سيول العريش .. مواطنون في "الوحل"وحكومة لم تظهر بعد
-
السيول والفساد .. لميس الحديدي

- تشكيل لجنتين لحصر الآثار التدميرية للسيول
- 400 مليون جنيه الخسائر المبدئية للسيول

الأحد، 24 يناير 2010

بروفيسور عربى يبتكر آلة للحصاد تنال تقديراً عالمياً


أجرى الحوار: أحمد بلح

كرمت المجموعة الاستشارية الدولية للبحوث الزراعية أخيراً البروفيسور معتصم سيد أحمد أستاذ الهندسة الزراعية فى الجامعة الأمريكية فى بيروت أثناء الاجتماع السنوى للمجموعة المنعقد فى مراكش بالمغرب فى الفترة من 3 الى 8 ديسمبر 2005 وسط جمع من أبرز علماء العالم فى مجال الغذاء والبيئة، بالإضافة إلى أكثر من 1000 مشارك من رجال الساسة، والإعلام، والمجتمع المدني يجتمعون فى كل عام بغرض تقوية وتوسيع نطاق الشراكات التى تنشط النمو الاقتصادي فى دول العالم النامي من خلال تبادل الحوار والخبرات والتجارب للوصول إلى الكيفية التى يمكن بها للبحوث الزراعية والعلوم والتكنولوجيا ومبادرات السياسات الغذائية أن تحسن على نحو أفضل حياة الفقراء. العربي العلمي كان هناك، حيث التقى بالدكتور معتصم فور نزوله من على منصة التتويج.


فى البداية، نود منكم أن تقدم بطاقة تعارف لقراء المجلة؟
• الاسم معتصم محمد سيد أحمد من مواليد السودان فى 28 أغسطس عام 1955. التحقت بجامعة الخرطوم وتخرجت منها عام 1980، ثم اتجهت لاستكمال دراستى العليا فى جامعة كاليفورنيا بأمريكا. كان موضوع شهادة الماجيستير فى تصميم الآلات الزراعية ثم استكملت دراسة الدكتوراه التى نلتها عام 1987 فى موضوع حول نظم رش المبيدات. عدت الى السودان وتوليت مهام التدريس الجامعي بجامعة الخرطوم ، وفى أوائل التسعينات اتجهت إلى كندا، حيث عملت فى التدريس بجامعة " جولف " الكندية، اتجهت بعدها إلى لبنان، حيث أعمل الآن أستاذاً فى الجامعة الأمريكية ببيروت من عام 1994 وحتى الآن.

أود التعرف على طبيعة البحث الفائز؟
• البحث الفائز بخصوص الامتياز فى ابتكار تكنولوجيا زراعية مناسبة للمنطقة، وهو تحديداً اختراع آلة لقطع وحصاد نبات " العدس" . وقد جاء هذا العمل بالاشتراك مع طالب لى هو " نزار جابر" . وكان هذا العمل جزء من رسالته للماجستير التى تمت تحت إشرافي، ونزار الآن يقوم بدراسة الدكتوراه فى اليابان.

وما هى أهمية الاختراع؟
• الأهمية ليس فقط لنبات العدس ولكن سيقانه أيضاً، حيث أنها تحتوي على نسبة بروتين عالية مفيدة جداً كغذاء وعلف للحيوان. ومعظم المزارعين فى المنطقة يحتاجون لهذا النوع من الحصاد الذى كان يتسم فى الماضي بصعوبة بالغة، لكننا استطعنا أن نبذل جهداً بحثياً خلال العامين الماضيين كلل بالنجاح، وقد استطعنا فى نهاية هذا البحث الحصول على 80 % من سيقان العدس و98 % من نتاج الحبوب، بحيث يصبح قيمة الفاقد من هذا المحصول ضيئلة جداً.


ولكن ما هى مشكلات حصاد نبات العدس؟
• يوجد عدد من المعوقات التى تواجه الفلاح أثناء جمع وحصاد نبات العدس، أبرزها أن العدس يتشتت فى الأرض، وعندما نشرع فى عملية الحصاد فإن وسائل الحصاد التقليدية تتسبب فى انكباب جزء كبير من حبوب العدس على الأرض. ويعيب حبوب العدس أنها قريبة جدا من الأرض، وعادة ما يكون هناك تفاوت بين السيقان في عملية النضوج، بالإضافة إلى أنها تزرع على المناطق الهامشية من الأرض الزراعية وهى مناطق تنتشر فيها الحجارة مما يعوق عمل وسائل الحصاد التقليدية، من هنا جاء فكرة اختراع آلة لا تتأثر بوجود هذه الحجارة وتستطيع أن تتحصل على الحبوب والسيقان.


وكم هى عدد السنوات التى استغرقها العمل فى البحث؟
• استغرق البحث مدة أربع سنوات، و كنت قد قضيت سنتين أيضاً لدراسة طبيعة هذا النبات، ومشكلات الحصاد.


أرجو أن تشرح لنا وبشكل مبسط تركيب هذه الآلة؟
• تتكون آلة القطع من مقص دوراني يقوم بمهمة الحصاد، ويتكون من أسطوانة مسننة وأخرى بها فتحة دائرية على طول محيطها الخارجي لتمر فيها أسنان الاسطوانة المسننة أثناء عملية القطع. وبالإضافة إلى المقص، يوجد حزامان للتغذية يتوليا تشغيل اسطوانات المقص الدوراني واستلام النباتات التي تم حصدها من المقص وتمريرها إلى جهاز الرفع والذي بدوره يقوم بحمل المحصول إلى خزان موجود فى الماكينة أو إلى أجهزة الهرس والفرز المسئولة عن فرز الحبوب في حالة وجودها. ويمكن أن تلحق الآلة بحاصدة كاملة أو بحاصدة مصممة لقطع المحصول وتخزينه لحين الهرس والفرز في عمليات لاحقة، وهذا هو الخيار الأفضل في المناطق التي تشيع فيها الزراعة في مساحات صغيرة كما هو الحال في لبنان ومعظم مناطق غرب آسيا وشمال أفريقيا.

لكن، لماذا يتم زراعة العدس داخل نطاق الأرض المهمشة كما ذكرت سيادتكم؟
• يتميز العدس بالقدرة على النمو والعيش فى مثل هذه الأراضي، لذا يفضل الاستفادة من هذه الخصائص على أن تترك الأراضي الصالحة لزراعة أنواع أخرى.

وما هل توجد خصائص آخرى مميزة لهذا النبات؟
• من أهم خصائص العدس التى تجعله صالحاً للزراعة فى المناطق العربية قدرته على تحمل الجفاف وبقوة، كما يمكنه الاعتماد على الري، وهو أيضاً ينمو ويعيش على ماء المطر، وبالتالى يمكنه التعايش مع ظروف مختلفة. وفى المعتاد يكتفى المزارعون بزراعته فى المناطق البور اعتماداً على قدرته التعايش فى مثل هذه المناطق على ماء المطر.

بالنسبة لعلم الهندسة الزراعية، ماهى مجالات هذا العلم، وماذا عن آخر التطورات العالمية والحديثة فى هذا المجال؟
• الهندسة الزراعية هى استخدام علوم الهندسة لخدمة الزراعة لذلك فهى تجمع كل أنواع العلوم الهندسية كالهندسة المدنية والهندسة الكيميائية التى تخدم مجال الزراعة، وحديثاً توسع هذا المجال ليشمل العلوم البيولوجية أيضاً، فأصبحت الهندسة الزراعية والبيولوجية مجالاً علمياً واحداً لا ينحاز لجانب على حساب الأخر، ولم يعد يكفى قصر الدراسة على مجال دون الأخر، حيث تداخل العلمان معاً وأصبحا علماً واحداً، وقامت الجامعات بتوسعة إطار هذا المجال ليشمل الزراعة والبيولوجيا معاً، حتى أن هيئة كبيرة مثل جمعية المهندسين الزراعيين الأمريكية انتبهت لذلك فعمدت إلى تغيير اسمها إلى جمعية المهندسين الزراعيين والبيولوجيين.


وماذا عن أهم الأبحاث التى تقومون بها بعد الانتهاء من انجازكم الجائز على الجائزة ؟
• اعمل الآن على محاولة فهم آليات رش المبيدات بالشكل الأمثل وكيفية توزيعها على المساحات الزراعية بكفاءة عالية، وهى مشكلة فى غاية الأهمية، حيث أننا نعانى فى عالمنا العربي من عمليات الرش الجائر وغير المنظم، وهى مشكلة غالباً ما تنعكس بالسلب على صحة المزارعين أو التجمعات السكانية التى تعيش بجوار أراضي زراعية.

نود أن نعرف منكم أهم التقنيات الحديثة المستخدمة لهذا الغرض؟
• تعتمد نظم الرش على نوع المبيد ودرجة سيولته ودرجة الالتصاق بأوراق النبات، وفوهة مضخة الرش المستخدمة والضغط المستخدمة وكمية السريان وسرعة الرياح وطبيعة الأرض التى يتم رشها، وكثافة أوراق وسيقان النبات، وهنالك طرق حديثة تعتمد على استخدام الكمبيوتر الذى يتولى برمجة كل هذه العوامل المتداخلة والعلاقات المعقدة ليساعد المزارع على الاستخدام الأمثل للمبيد، وبالنسبة للمجموعة البحثية التى تعمل معي تمثل كل هذه العوامل المعطيات أو المدخلات التى يتم دمجها داخل الكمبيوتر للحصول على نتائج نستفيد منها فى تصميم أجهزة جديدة تمكنا من الرش بكفاءة أفضل.

وهل من روشتة نستطيع أن تقدمها للمزارع البسيط للتعامل الأمثل مع المبيدات ؟
• ضرورة التعامل مع المرشد الزراعي، حيث لا ينبغى أبداً أن ينطلق الفلاح فى مثل هذه الأمور الفنية دون استشارة المختص، وعليه أن يمتنع من السير وراء رغبة التاجر الذى يشترى منه المحصول، حيث أن التجار عادة ما يضغطون على الفلاحين بغية الحصاد المبكر، وبالتالى ضمان مكاسب أكثر، فى حين من المعروف أن بعض هذه المبيدات تتكسر عندما تترك على الثمار المادة الكافية بفعل العوامل الطبيعية كأشعة الشمس. وأنصح المزارع أيضاً أن يتقى الله فى جيرانه وأهالي المناطق المجاورة لمزروعاته، إذ ينبغى عليه أن يوقف عمليات الرش فى حال إن كانت هناك رياح قوية قد تحمل المبيدات الى هذه المناطق.


كباحث عربي درس وعمل بالخارج ثم عاد لأرض الوطن، بماذا تنصح المسئولين فى حكوماتنا العربية للحد من هجرة العقول العربية؟
• أنا فى رأى أن ذلك يعود لعدم وجود استراتيجية واضحة لدى هؤلاء المسئولين تضمن عدم هروب هذه الكفاءات فهذه مسئولية الحكومات بينما يتمثل دور الجامعات فى إعداد التخصصات المطلوبة لسوق العمل أو حركة البحث العلمي، وبدون هذه الاستراتيجية تصبح الجامعات كالمدارس ليس لها علاقة بحركة البحث العلمي.


فى النهاية نود أن نعرف إن كانت هناك مشاريع مشتركة لك مع بلدكم السودان ؟
• توجد محاولات، وتحديداً فى هذا المؤتمر تحدثت فى هذا الجانب مع بعض المسئولين السودانيين الموجودين هنا عن إمكانية إقامة مثل هذا التعاون. ومن ناحيتى أعترف أن هذا التعاون مازال ليس بالدرجة الكافية، لكنى فى ذات الوقت ارحب بأى مجال للتعاون سواء مع بلدي السودان أو أى بلد عربي آخر.

ـــــــــــ
الحوار منشور في مجلة العربي

عصام حجي.. باحث عربي يغزو المريخ





عصام حجي.. باحث مصري شاب نجح فى العمل بوكالة الفضاء الفرنسية قبل أن يلتحق بوكالة ناسا الأمريكية. جاء إلى مصر فى نوفمبر الماضى مع ثلاثة فرق تضم علماء وباحثين فى مجال الفضاء والجيولوجيا لاختبار عدد من الأجهزة العلمية فائقة الدقة على تربة الصحراء الغربية كنموذج يحاكى طبيعة تربة المريخ. العربي العلمي ألتقى د.عصام قبل أن يعود الى ناسا لاستنباط نتائج التجارب التى تم إجراؤها على مدى عشرة أيام فى الفترة من 6 الى 16 نوفمبر 2005.

فى البداية، نود معرفة كيف كانت رحلتك مع دراسة علوم فى الفضاء فى أوربا ثم أمريكا؟
أثناء دراستى للثانوية العامة بالقاهرة شجعنى زميل لى من جيبوتى على مراسلة الجامعات الفرنسية لدراسة علوم الفضاء التى تعد عشقى الأول منذ أن كنت طفلاً صغيراً. وبعد الثانوية العامة التحقت بقسم الفلك فى كلية العلوم بجامعة القاهرة. وقد نجحت بامتياز، وعلى الفور تم تعيينى معيداً بالكلية.
عاودت مراسلة الجامعات فى أوربا وأمريكا مرة أخرى ، ومن بينها معهد علوم الفضاء بجامعة باريس، وجاءت الموافقة ولكن بعد عدة فصول من الحظ السيئ، حيث حال تجنيدي بالجيش أمام الفرصة الأولى فى حين نجحت الثانية. درست فى باريس الماجيستير ثم الدكتوراه قبل أن تأتينى فرصة الانتقال إلى ناسا.

وماذا كان موضوع رسالة الدكتوراه؟
كان موضوع الرسالة دراسة إمكانية التصوير الراداري على أعماق من 100 متر إلى أكثر من 2000 متر لاستكشاف المياة الجوفية، وكيف يمكن الاستفادة من ذلك فى البحث عن المياه على المريخ، وتحديد الطول الموجي المستخدم، وما هى الخواص الكهرومغناطيسية لسطحه، وكيف يمكن دمج هذه الخواص فى جهاز واحد. وقد كان موضوع رسالة الدكتوراه هو الباب للعمل فى ناسا.

وما هو المنصب العلمي الذى تشغله الآن فى ناسا؟
أشغل منصب رئيس معمل التصوير بالرادار في مركز أبحاث اكتشاف الكواكب والأقمار التابع لوكالة ناسا الأمريكية.

ما هى أبرز التطبيقات التى استخدمت فيها أبحاثك فى هذا المجال؟
توجد الآن مركبتان أمريكيتان هما " مارس إكسبريس" ، و" مارس ريكونيسانس" تقومان بالبحث عن المياه باستخدام ترددات مختلفة حددتها أبحاثي، حيث تبحث الأولى على أعماق 2500 متر بمعدلات دقة قليلة نسبياً، والثانية على أعماق 850 متر ولكن دقتها فى التصوير أكبر.

تم ترشيحك لجائزة أكاديمية العلوم الفرنسية، حدثنا عن طبيعة هذه الجائزة؟
هذه الجائزة مخصصة للباحثين الشباب، وحصلت عليها فى سبتمبر 2003، وأعتقد أن هذه كانت من المرات النادرة جداً التى يحصل فيها عربي على هذه الجائزة، فمن المعروف عن الفرنسيين أنهم متعصبون فى هذا الجانب، حيث يحرصون دائماً على أن يكون الحائز عليها فرنسي، وعلى الرغم من أن هذه الجائزة كانت الأولى لى إلا أنها لم تكن الأخيرة، فقد حصلت فى عام 2005 على جائزتين من ناسا تتمثلان فى مبالغ مالية تقدم لى لدعم مشروعاتى العلمية فى مجال اكتشاف " جيولوجية وفيزيائية الكواكب".

وماهى أهم المهام الفضائية التى تشارك فيها ضمن مهام عملك فى ناسا؟
أهلتني أبحاثي لاستخدام تقنيات التصوير الراداري ليس للمريخ وفقط، وإنما لدراسة العديد من الكواكب الأخرى، فأنا عضو فى العديد من المهام العلمية كمهمة إطلاق المركبة " مارس اكسبريس" وهى ثمرة تعاون بين وكالة الفضاء الأوربية "إيسا" و" ناسا " ، وكذلك المركبة" مارس ريكونيسانس " والمركبة الأوربية "روزيتا" وغيرهم من المهام الأخرى، كما أتيح لى حضور عدة مؤتمرات فى بلدان مختلفة تعد من دول العالم الأول لإلقاء محاضرات حول هذا الموضوع.

وماذا كان رد فعل الطرف الأخر على كونك عربي من دول العالم النامي، ويحاضر عن آخر ما توصل إليه العلم فى مجال الفضاء؟
خلال السنوات الخمس الماضية سافرت للعديد من الدول الأوربية مثل ألمانيا وإيطاليا وأسبانيا وهولندا والنمسا ولدول آسيوية كاليابان بل والى أمريكا نفسها قبل أن يتم تعيينى فى " ناسا " ، وأذكر أنه كثيراً ما كنت أقابل بنوع من الدهشة وأحيانا الاستنكار. وقد تعرضت للتفتيش فى هيوستن الأمريكية لأنى عربي مما أدى الى تأخري عن اللحاق بافتتاح أحد المؤتمرات التى كنت مشاركاً فيها بإلقاء كلمة الافتتاح وبورقة عمل حول إمكانيات استخدام التصوير الراداري فى هذا المجال يوجد فى الغرب الآن عداء لكل ما هو عربي نتيجة سوء الفهم الذى زادت وتيرته بعد أحداث 11 سبتمبر.

وفى هذا الصدد، أذكر أننى دعيت للمحاضرة بأحد أقاليم الجنوب الفرنسي، وعندما دخلت قاعة المحاضرات، قام شخص ليقدمني للجمهور بلغة هذا الإقليم التى لا أفهمها بالطبع، وفجأة حدثت حالة من القلق والضجر داخل القاعة، ولم أكن أعرف السبب غير أنى عرفت فيما بعد أنها بسبب كوني مصري، وقد اعتبروا أن الحكومة الفرنسية تسخر منهم بأن ترسل لهم بشخص مصري ليحاضرهم عن العلم ولم تهدأ الأمور إلا بعد قرابة ساعة من المحاضرة التى لاقت قبولاً لدى الجميع، للدرجة التى جعلت عدد من مسئولي الإقليم ممن توطدت علاقتي بهم تلبى دعوتي لهم على حفل زواجي.

البحث عن الحياة خارج كوكب الأرض، لماذا المريخ؟
كثير من الناس يعتقد بأن هذه المحاولات من قبيل الترف المادي والعلمي، وهذا كلام خاطئ، حيث أن اكتشاف المريخ يعد خطوة أساسية لفهم طبيعة الأرض التى نعيش عليها و لدراسة التطور المناخي والجيولوجي للأرض، نحتاج دراسة أكثر من جرم داخل المجموعة الشمسية. وقد كانت البداية بالقمر فى الستينات والسبعينيات، ثم الآن المريخ.

ولكن، لماذا المريخ؟
بالنسبة للمريخ، هناك وجه تشابه كبير بينه وبين الأرض، كما أن النظرية العلمية المتفق عليها حالياً فى هذا الشأن هو أنه توأم للأرض، ولهما ماضي مشترك، وهذا يعنى أن المريخ كان فى يوم من الأيام عليه نوع من الحياة البدائية، ومع اختفاء المياه عليه انتهت هذه الحياة، وأصبح على هذه الصورة من الجفاف.
والسؤال الآن لماذا مات كوكب المريخ؟ .. على اعتبار أن السيناريو الذى آل إليه كوكب المريخ هو ذات السيناريو الذى سيؤول إليه كوكب الأرض، بصفتهما توأمان أحدهما أصيب بمرض وراثي، وبالتالى، يتوقع إصابة الأخر. نستطيع القول بأن المريخ بمثابة شباك مفتوح يمكنه أن يعطينا صورة لمستقبل كوكبنا وما الذى سيكون عليه بعد ملايين السنين.

وماهى أهم التطورات التى حدثت فى مجال استكشاف المريخ منذ أول محاولة قامت بها المركبة فايكنج عام 1976 وحتى الآن ؟
ناسا كأي هيئة فى العالم معرضة لأن تقع فى أخطاء، قد تكون هذه الاخطاء إستراتيجية، ومن ضمن ذلك ، خطأ كبير بدأت ناسا فى حله مؤخراً فقط، فقد كانت محاولات الإنزال على سطح الكوكب تحمل نسبة مخاطرة كبيرة جداً لم تعالج إلا فى مركبات مثل " سبيريت " و " أبورتيونيتي".

من ناحية أخرى افترض معي أن هناك آناس يعيشون فى المريخ، وأرادوا استكشاف الأرض، فأرسلوا مركبة هبطت على الصحراء الغربية ستكون النتيجة أنهم سيعتقدون بعدم وجود الحياة هناك، وقد انتبهت ناسا مؤخرا لذلك وقررت السير فى اتجاهين الأول عمل مسح شامل لسطح المريخ، والثانية الاستكشاف المحلى فى مناطق معينة يتم تحديدها بدقة وبعد دراسات مستفيضة.

وما هى أهمية اكتشاف المياه على المريخ؟
فى حال اكتشاف المياه على المريخ سيثبت ذلك احتمالات وجود التشابه مع الأرض، وبالتالى سيصبح من المفترض وجود ماضي ومستقبل مشترك لهما، ولذلك أهمية علمية كبيرة.
وتوجد نظريات فى هذا الشأن، ولكنها تعتمد بشكل أساسى على المشاهدات التى تدل على وجود آثار لوديان جافة وأخرى تشبه المحيطات والبحيرات. أما ما تقوم به ناسا الآن فهو دراسة التكوينات الجيولوجية على سطح المريخ بشكل عملى.
وأود التأكيد على أن ناسا لا تبحث عن جزيئات المياه على سطح المريخ، حيث أنه من المسلم وجودها فى كل كواكب المجموعة الشمسية، فهى موجودة فى الأبخرة الغازية بغلاف المريخ، وإنما ما نبحث عنه هو كميات هذه المياه الموجودة تحت السطح، ومعدلات توزيعها، وعلى أى أعماق توجد.

ولكن، يتردد دائما أن للأرض مشكلاتها التى مازالت تستعصي على الحل، فلماذا الهروب الى المريخ؟
هذا السؤال لا يتردد إلا فى منطقتنا، فأنا لا أسمعه فى أمريكا ولا أوربا، وأود أن أوضح أنه لو كانت استكشافات المريخ تعنى أشخاص، فهى تعنى من يعيشون فى بلداننا العربية قبل أى شخص آخر. فالتقنيات المستخدمة فى تجاربنا تقوم بعمل مسح للمياه على أعماق تصل لأكثر من 2000 متر، وهى التكنولوجيا الوحيدة القادرة على عمل ذلك.
ونحن نعيش فى وطن كل ثرواته تحت الأرض، فهذه التقنيات لو سمح لها بعمل مسح للمنطقة تستطيع أن تدلك ليس فقط على المياه، وإنما أيضاً على البترول، والثروات المعدنية، والآثار، وهناك مشكلات كالألغام التى تهدد حياة البشر، كل ذلك يمكن الكشف عنه بواسطة هذه التقنيات. نحن الآن أمام ثورة جديدة من الممكن أن يكون العرب أكثر المستفيدين منها إذا أرادوا ذلك.

الآن، ومنذ خمس سنوات تقريباً تجرون تجاربكم على أراض مصرية، فلماذا جاء اختياركم تحديداً للصحراء الغربية؟
جاء اختيار الصحراء الغربية نظراً لوجود تشابه بين تربتها وبين تربة المريخ.

وما هى أوجه التشابه بينهما؟
أود أن أشير الى ريادة عالمنا البارز الدكتور فاروق الباز الذى كان أول من أشار لوجود هذا التشابه. كلنا يعرف أن مصر بها أراض صحراوية كبيرة جميعها غنية بكميات كبيرة من المياه الجوفية التى تمتد على أعماق كبيرة تصل لقرابة 2500 متر، وهو ما يتشابه مع ما نقوم بالبحث عنه على المريخ، أضف الى ذلك أن الخواص الكهربية للتربة المصرية تساعد على دخول موجات الرادار لأعماق بعيدة، وذلك غير موجود فى أمريكا على سبيل المثال، حيث أن الرطوبة العالية الموجودة فى التربة تمتص موجات الرادار وتحول دون وصولها لأعماق بعيدة.

أود أن نلقى الضوء على طبيعة التجارب التى تقومون بها فى الصحراء الغريبة؟
هذه المهمة ممولة بشكل كامل من وكالة الفضاء الأمريكية " ناسا" ، ويشترك فيها ثلاثة فرق عمل من خبراء الفضاء والجيولوجيا، هى مركز دراسات الأقمار والكواكب الأمريكي وهيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية تحت قيادة العالم الكبير " ستيفن كليفورد" ، ومركز أبحاث الفضاء الفرنسي، والذى يتولي مهمة إعادة اختبار نموذج رادار مشابه للجهاز الذي تم إطلاقه عبر المركبة الفضائية مارس اكسبريس‏‏ بهدف عمل مقارنه بين النتائج التي تأتى من المريخ والنتائج المأخوذه من الصحراء الغربية. ويشارك الفريقان الأمريكيان في عمل اختبار جهاز ذي تردد مختلف لرصد المياه الجوفية,‏ من المنتظر إطلاقه الي كوكب المريخ عام‏2011.‏ وقد تمت عمليات المسح لهضبة أبو سعيد فى واحة الفرافرة.

وهل توجد مناطق أخرى مرشحة للبحث فيها كمصر؟
بالفعل توجد مناطق نموذجية أخرى لتجاربنا كالصحراء الليبية والصحراء السعودية، وأنا شخصياً أتمنى أن يتسع حيز التجارب لدول عربية أخرى لأن ذلك سيساعدنا على اختبار ردود أفعال الأجهزة فى ظروف جيولوجية مختلفة، كما سيعم بالفائدة على هذه الدول. وأود أن أوضح أن هذا التعاون سيكون بدون أى مقابل، حيث تتولى ناسا تكلفة الأبحاث كاملة. ومن الجدير بالذكر فى هذا الصدد أيضاً أن ناسا تمول فيلماً سينمائياً عن تاريخ الصحراء العربية، أنا أحد المشرفين عليه، وقد عرضنا على الجانب الليبي طلب التصوير هناك بالإضافة الى مصر لكن جاء الرد بالرفض، أنا بالطبع لا أعرف سبب الرفض.

فون كليتزنج الحائز على نوبل الفيزياء: الوصول للنهاية يعنى تحقيق اكتشاف جديد


أجرى الحوار أحمد بلح: مكنت تجاربه العلماء من دراسة خواص التوصيل الكهربي للأجهزة الإلكترونية بدقة متناهية، كما ساعدت فى وضع طرق قياس للمقاومة الكهربائية ذات دقة فائقة، فقد كان أول من ربط بين حركة الإلكترونات فى مداراتها وسرعة الضوء. إنه " كلاوس فون كليتزنج " الحائز على جائزة نوبل فى الفيزياء عام 1985.
o ولد كلاوس فون كليتزنج فى 28 يونيه 1943 فى سكرودا فى ألمانيا، والتحق بجامعة برونشويج التقنية، وتخرج منها 1969 ثم حصل على شهادة الدكتوراه فى الفيزياء من جامعة ورزبرج 1972. وفى عام 1980، أصبح أستاذاً بجامعة ميونخ التقنية، ومنذ عام 1985 ترأس معهد ماكس بلانك بشتوتجارت أحد أكبر المعاهد العلمية فى العالم.

o وقد جاء هذا الحوار على هامش مؤتمر " آينشتين" الذى انعقد فى مكتبة الأسكندرية مع بدايات فصل الصيف الماضي، وحضره لفيف من أبرز علماء الفيزياء فى العالم بمناسبة الاحتفال العالمي بعام الفيزياء.

o أجرى الحوار / أحمد بلح

- عن أى إنجاز علمى، جاء حصولك على جائزة نوبل ؟
- نلت الجائزة عن اكتشاف علمي فى الفيزياء النظرية يفيد بأن المقاومة الكهربائية الموجودة فى الموصلات تظهر فى وحدات محددة، وهو ما يطلق عليه علمياً مفهوم تكميم المقاومة، نسبة الى نظرية الكم لماكس بلانك. جاء هذا الاكتشاف عن طريق تطبيق قانون يعرف لدى الفيزيائيين بـ " تأثير هال "، وهو يشير للقوة الكهربائية المحركة التى تنشأ بين طرفي موصل رفيع يمر به تيار كهربائي، وموضوع على قطبي مغناطيس قوي.وقد أثبت أن المقاومة تتغير فى شكل خطوات منفصلة بدلاً مما كان يعتقد بأنها تتم فى سلاسة وباستمرار.

- أرجو مزيداً من التوضيح لطبيعة هذا الاكتشاف، ومدى أهميته؟
- لقد اكتشفت أنه عندما يكون المجال المغناطيسي لأى مادة موصلة للكهرباء قوي جداً ودرجة الحرارة منخفضة جداً فإن " مقاومة هال " لهذا الموصل تتغير، بحيث تقفز بالطريقة التى أوضحتها سابقاً، أى بشكل غير متصل أو مترابط. وكنت أنا أول من لاحظ أن مقياس هذه القفزات يرتبط بـثابت فيزيائي يعرف الآن بـ" ثابت البناء الدقيق "، يمثل النسبة الرياضية بين حركة الإلكترون فى مداره حول نواة الذرة إلى سرعة الضوء. ولهذا الاكتشاف أهمية كبيرة فيما يتعلق بخواص الأنظمة الإليكترونية ذات الأبعاد الصغيرة، والتى أصبح لها تطبيقات ضمن ما يعرف بعلوم النانو تكنولوجي.

- نود منكم أن تعرف للقارئ غير المتخصص ماذا نعنى بعلوم النانوتكنولوجي؟
- النانو عبارة عن وحدة قياس صغيرة جداً جداً، تتناول وصف أشياء لا ترى بالعين. غالبيتنا يعرف وحدة الملليمتر، وهناك وحدة أصغر منها بألف مرة تعرف بالميكرومتر، يليها فى الصغر النانومتر، وهو الآخر يقل عن الميكرومتر بألف مرة. والنانومتر وحدة لوصف أشياء موجودة فى الطبيعية، ولكنها تتسم بأنها دقيقة جداً فى أبعادها، لذا لا يمكن لنا رؤيتها بالعين المجردة.
o نحن نعرف أن الطبيعة تنبني من الذرات التى كنا نعتبرها إلى وقت قريب وحدات بناء المادة، وأى شئ لا يخرج فى تكوينه عن تجمع من الذرات التى يزيد أعدادها فى الطبيعة قليلاً عن 100 ذرة تدخل فى كل شئ من حولنا، وبقدر نسب هذه الذرات داخل مكونات أى مادة يكون الاختلاف فى خواصها، و ألوانها، ومظهرها ناعم أم خشن، وغيرها من الخواص الأخرى التى تميز المادة عن غيرها.




- وما هى أهم التطبيقات التى نتجت عن اختراق هذه الآفاق العلمية البعيدة جداً؟
- لقد أصبحنا قادرين اليوم على رؤية هذه الوحدات البنائية الصغيرة، والنظر إليها بواسطة بالميكروسكوبات، كما تمكنا من استخدامها فى تنمية مواد جديدة لبناء أجهزة وتقنيات ذات أبعاد دقيقة جداً، حيث نشكل منها طبقات يمكننا التحكم فيها لعمل هذه الأجهزة عند هذا المستوى الدقيق الغير مرئي. وقد بدأ عدد كبير من الدول، ومنذ قرابة 10 سنوات، فى تطوير برامج علمية عديدة للاستفادة من علوم النانو فى محاولة لفهم الطبيعة عند هذه المستويات الدقيقة.
o وأنا شخصياً أشتغل بشكل أساسى على فيزيا أشباه الموصلات، كما يوجد لدينا فى هذا المجال تطبيقات على ما يعرف بالأجهزة الميكروإلكترونية، وأخرى على الليزر، وأجهزة الترانزيستور السريعة جداً.


- ولكن، هل يعنى الوصول للأبعاد الأساسية للذرة نهاية لهذا المجال، أم أنه بداية لمجالات علمية أخرى جديدة؟
- أنا شخصياً، سألت نفسى هذا السؤال، ماذا لو تمكنا من الوصول إلى تصنيع وبناء أجهزة ذات أبعاد أصغر وأصغر؟! وبالفعل منذ 30 عاماً، تمكنا من تقليص أحجام الأجهزة الميكروإلكترونية. ويعتقد كثير من العلماء أنك إذا وصلت لأبعاد الذرة لن تستطيع تحقيق ما هو أصغر. ولكن، أظن أنا ومن وجهة نظري أن الوصول لنهاية أى شئ، ربما يعينك اكتشاف شئ آخر جديد.ونحن نتكلم ببساطه عن أصغر منظور نظر به الإنسان لوحدات تركيب الكون والمادة.. فهل نستطيع القول إننا لن نستطيع التعمق لأكثر من ذلك؟! ، أم هى بداية لعلم آخر يمكن ارتياده؟ . أظن، ومن واقع عملي وما نتوصل إليه من اكتشافات، أنها بداية لشيء جديد.

- من أين جاءتك هذه القناعة بأن هذه الاكتشافات المتقدمة جداً ما هى إلا مجرد بداية لعلوم أخرى لم يطرق العلم أبوابها من قبل؟
- لو نظرت لاكتشافات نظرية ميكانيكا الكم العظيمة لتمكنت من فهم ذلك، فقبل 100 عام من الآن، عندما تمكن آينشتين من تطوير نظرية الكم التى اكتشفها ماكس بلانك باكتشافه الظاهرة الفوتوضوئية، تلى ذلك اكتشافات أخرى عديدة على أيدى علماء آخرين مثل الخاصية الموجية للضوء، ومبدأ عدم التأكد، هذه الاكتشافات العلمية قادتنا لأشياء جديدة، على الرغم من أن الأسس النظرية الذى قامت عليه وقتها لم تكن معروفة على مستوى واسع.

- وهل توجد تطبيقات توصلتم إليها فى مجال عملكم؟
- نعم، توجد بعض البلدان التى بدأت العمل فى هذا المجال، وأخرى تحذو حذوها، لكن ذلك غير معروف الآن كمنتج تسويقي يمكن الاستفادة منه، فهناك فارق بين البحث العلمى والمنتج القابل للتسويق، وبالنسبة لى، فإننىكباحث أعمل الآن كمدير بمعهد ماكس بلانك، يمكننى القول- وخصوصا فى مجال تخصصي: إنه يمكن استخدام تطبيقات النانو فى كثير منها، ولكنى أيضاً لا أستطيع الجزم بذلك لأن وظيفة العالم أو مراكز الأبحاث هىكشف الستار عن الجديد عن طريق فهم الأسس العلمية التى تقوم عليها الظواهر الطبيعية مما يولد لدينا أفكاراً جديدة تفيد فى خروج تطبيقات جديدة، ولكن ليس من أولوياتنا الاهتمام بالتطبيقات إلى حد ما، فالمعنى بذلك هى الشركات.

- فى رأيك، هل تعتقد بإمكانية أن نصل لإنتاج تقنيات أقل حجماً من المستوى الذري؟
- فى مجال إنتاج وإدارة الأجهزة ميكانيكياً أو إلكترونياً، تعتبر الأبعاد الذرية هى الأصغر، على الرغم من أن علماء فيزياء الطاقات العالية يعرفون الآن بوجود جسيمات أصغر تدخل فى تكوين الذرة هى البروتونات والنيترونات، الكواركات وغيرها من الجسيمات، ولكن الوصول للطاقات العالية مازال أمراً شاق جداً يحول دون إنتاجها، وبالتالى إمكانية التحكم فيها لانتاج أجهزة على هذا المستوى الدقيق، لذا أعتقد أن الجميع يتفقون فى الوقت الحالي على أن الأبعاد الذرية هى أصغر وحدات القياس الموجودة الآن التى يمكننا التعامل معها، فنحن نستطيع الآن وضع الذرة فى موضع معين ثم التحكم و تحريكها من هذا الموضع لآخر، ولكن حتى هذا يتم بطريقة بطيئة جداً، ولعل من الجدير بالذكر أن العالم " ريتشارد فاينمان " كان أول تنبأ بإمكانية حدوث ذلك.




- وكيف أصبحت العلاقة بين تقنيات النانو وميكانيكا الكم؟
- أود أن أشير هنا إلى أنه ليس كل ما هو دقيق الحجم يندرج ضمن مركبات النانو، وبالنسبة للنانو فهى وسيلة لتوليد منتجات جديدة صغيرة الحجم جداً، فنحن لا نستطيع أن نستثمر تقنيات النانو فى إنتاج الأنظمة الكبيرة، ولكن النانو يمكنها إنتاج أجهزة على مستوي ذرى دقيق جداً لأداء نفس الوظيفة أو المهمة التى تقوم بها الأنظمة الكبيرة وبنفس الخواص. أما ولادة فكرة الكم فقد ارتبطت بخاصية انتقال الإلكترونات بين المستويات مختلفة الطاقة داخل الذرة بغض النظر عن التماثل الموجود بين الإلكترونات فى ذاتها، فمع عملية انتقال الإلكترون من مستوى للطاقة لآخر ينتج شيء ما جديد.

o يتاح لى أحياناً فرصة زيارة بعض المراكز التطبيقية العاملة فى هذا المجال. وقد وجدت محاولات لانتاج أجهزة تستطيع المرور خلال مجري الدم فى الجسم، ويتم توجيهها للوصول الى الخلايا السرطانية وتدميرها دون إحداث أي أذى للخلايا المجاورة السليمة. كما تستخدم الأنابيب النانوية فى مجال تحفيز التفاعلات الكيميائية، حيث نستطيع بناء هذه الأنابيب على أي شكل كان بحسب تحريكنا كعلماء وباحثين لمجريات التفاعل المكون لها.

o ومن المعروف أيضاً، أن الروابط الكيميائية بين ذرات الكربون داخل الجزيئات الكربونية تكون قوية جداً، ومن أبرز الأمثلة على ذلك "الماس" الذى يعد من أقوى المواد الموجودة فى الطبيعة، وأكثرها قساوة، إلا أن المعالجة الكيميائية المختلفة لهذه المواد ينتج مواداً مختلفة يمكنها الإبقاء على بعض الصفات كالصلابة مثلاً. وقد أصبح ممكناً عمل طبقات طويلة من أسلاك نانوية لها وظائف خاصة لها قوة شد عالية، يمكن استخدامها فى الموصلات الكهربائية على مستوى الأحجام الدقيقة جداً، وأيضاً فى بعض تطبيقات لأجهزة ميكانيكية تحتاج لدرجة عالية جداً من الثبات فى الظروف المختلفة.


o وما هى أهم وأبرز تطبيقات النانو فى مجالات الكيمياء والبيولوجيا؟
o أعتقد أن أسماء كالفيزياء والكيمياء والبيولوجيا ستختفى عند هذا المستوي الذري الدقيق جداً. أنا شخصياً أعتقد فى أن الكيمياء والفيزياء متشابهان تماماً، حيث أنهما لهما نفس الخلفية العلمية. وأود أن أوضح هنا أن الفواصل الموجود بين المواد تتلاشى تقريباً عند مستويات دقيقة كالنانو، حيث تصبح خواصها الفيزيائية والكيميائية متشابهة تقريباً، وهنا تعتمد الأجهزة الدقيقة الناتجة على الكيفية التى تصنع بها. فقط لنا أن نقول عن استخدام النانوتكنولوجي داخل الأجسام الحية.

- وماذا عن "الدانا كمبيوتر" الذى يعرف بأنه وليد اندماج علوم الكم وثورة الجينوم؟
- ولقد نشأت أفكار عديدة للعلاقة بين فيزياء الكم والعلوم البيولوجية فى الطبيعة، تعتمد على استخدام الخلية الحية فى نقل المعلومات. وأنا أعتقد أن هذا الاتجاه يسير الى إنتاج تقنيات أكثر توافقاً مع الطبيعة تكون لها إمكانية أن تتوالد فى أحجام أصغر وأصغر، حيث استخدمت جزيئات " دي إن أيه " فى صناعة حاسبات إلكترونية تعرف بـ "الدانا كمبيوتر" والتى تعد أحد أهم الاكتشافات العلمية فى الآونة الأخيرة، حيث تمثل القدرة المزدوجة لثورتي البيولوجيا والكمبيوتر. ففي الوقت الذى تستطيع فيه الكمبيوترات العادية حساب عملية واحدة فى قدر من الزمن، يمكن للدانا كمبيوتر إجراء الحساب على عدد لإنهائي من العمليات، هذا بالإضافة لقدرتها على توفير قدر كبير من الطاقة المستخدمة فى تشغيلها، على عكس الكمبيوترات السيليكونية التى يتولد عن تشغيلها حرارة كبيرة، بالتالى يلزمه طاقة أكبر لإحداث عملية التبريد، إلا أنه لا نستطيع الحكم على هذه التقنيات بالنجاح الكامل، حيث مازال هناك الكثير المطلوب عمله فى السنوات القادمة.

- فى النهاية، نود أن نعرف منكم ماذا كان شعورك عندما علمت بخبر حصولك على الجائزة؟
- من الصعب أن تجد كلمات تستطيع بها أن تعبر بها عن الشعور بالسعادة الشديدة عندما تعرف أنك أصبحت أحد الحاصلين على جائزة نوبل. وأنا متأكد من أن كل من حصل عليها يتملكه شعور داخلي بأنها منحة من الله، لأنه لا يستطيع أى شخص أن يعمل من أجل الحصول على هذه الجائزة الكبيرة، فأشخاص قليلون جداً يكون لهم الحظ وشرف نيل الجائزة. ولا أخفى عليك سراً، أننى سألت نفسي بمجرد الإعلان عن حصولى عليها .. كم عدد الأشخاص الذين ربما أصيبوا الآن بالاكتئاب جراء معرفتهم بعدم فوزهم بها. لا شك أن جائزة نوبل هذه تعد الأعظم من نوعها فى العالم، وهى لا تعدو شرفاً لحائزها وفقط، وإنما للمعهد العلمى الذى ينتمي إليه، أو تخرج منه، ولبلده، بل والمجال الذى يعمل فيه.
ـــــــــــ
الحوار منشور فى مجلة العربي الكويتية عام 2006

الأربعاء، 23 ديسمبر 2009

خطر الغرق يهدد شواطئ مصر والموضوع وكأنه يتعلق ببلاد الواق واق


خطر كبير متوقع يقترب شيئاً فشيئاً من شواطئ مصر يعنى من ناس مصر .. ناس مصر الشأينين ولا حياة لمن تنادي أم الحال كما صوره الدكتور مصطفي طلبة خبير التنمية المصري العالمي وكأن الأمر يخص بلاد الواق واق .. عجبي

طالع نص الخبر كاملاً على صحيفة المصري اليوم

د. إبراهيم بدران وزير الصحة الأسبق في حواره مع " الفجر": البناء القومي السليم لا يتأتي إلا في الفصل والمعمل


أجرى الحوار- د. عبد الهادي مصباح – أحمد بلح:

- أصبح الانطباع السائد أن أول مصريين حكموا مصر لم يستطيعوا الصمود في حرب استمرت 6 ساعات
- هجرة أساتذة الجامعات بعد النكسة تمثل جزء من أزمة التعليم والبحث العلمي في مصر حتى الآن

السيرة الذاتية لحضرتك تمتلئ عن آخرها بمناصب قيادية وعضوية مراكز علمية عالية المستوى، وتظهر أيضاً أنك ابليت بلاءاً حسناً، كما يبرز منها السمات الأساسية التى يجب أن يتمتع بها (الحكيم)، وأنا أقصد تلك اللفظة التى غابت كثيراً عن عالمنا الآن ؟
أنا شخصياً أعتقد بأنه لا شئ يمكن أن يربي الإنسان مثل الشعور بالألم واليتم، وهذا ما عانيت منه في صغري منذ سنوات التربية والتنشة، فقد ماتت أمي - رحمها الله - وأنا في سن 4 سنوات، كما مرض والدي عام 1938 وكنت حيئذ طالب في الثانوية العامة القديمة ( 5 سنوات )، فأكرمني ربي بأن أكون الخادم الخاص له خلال 7 سنوات هي فترة مرضه، كما أني لا أنسى مشهد أمي وهى تتألم، فقد أصيبت بأول حالة ذبحة صدرية تكتشف في تاريخ مصر، وكان ذلك سنة 1929، وقتها كنا نسكن في المنيل، عندما ذهب أبي مسرعاً في فجر أحد الأيام طالباً النجدة من بيت النواب في القصر العيني، ونادى على النائب النوبطجي، كان بول غليونجي – رحمه الله – فجاء ومعه د. مصطفي الديواني ابن خالي. وأنا ما زلت لا أنسى هذا المشهد حتى الآن، وما زالت خطوطه ترتسم في خيالي، وقد ولدت لدى انطباعاً بقيمة الطبيب، وأنه يمثل المعونة والنجدة للمريض في أي وقت يحتاج إليه .
كما أني ايقنت خلال هذه الفترة أيضاً بدو الرعاية الواجبة على الطبيب تجاه مريضه، تأسياً بالدكتور أنيس سلامة رئيس قسم الأمراض الباطنة في القصر العيني، وهو جار لنا أيضاً، الذي دأب على زيارة والدي يومياً للاطمئنان على صحته، طيلة 7 سنوات كاملة هي مدة مرضه، حتى توفاه الله .
وهل لهذه الأسباب جاء اختيارك لكلية الطب عند بلوغك المرحلة الجامعية ؟
نعم، على الرغم من أن أبي كان من رجالة الشرطة، وأخي الأكبر تخرج من كلية الزراعة وعين معيداً في زراعة الأسكندرية، فكنت في قرارة نفسي طواق للالتحاق بكلية الطب، ولكن نظراً لحالة والدي الصحية وما أجده من تفوق أخي أسرت السلامة، وصرحت لأبي برغبتي في دخول كلية الزراعة أسوة بأخي، قائلاُ إنها 4 سنوات فقط بدلاً 7 سنوات هي عدد سنوات الدراسة في كلية، لكن والدي بفطنة المعهودة أدرك حقيقة رغبتي وتوجهي، ورد على قائلاً " كنت أتمني أن يلتحق أحدكم بكلية الطب" وعليها قلت له " خلاص ما دامت هذه رغبتك " .. وقد كان.
في محاضرة لك بجامعة المنصورة، حاضرت حول " السلوك والخلق والعطاء في مهنة الطب" ؟ هل ترى حضرتك أن التنشئة التى يربى عليها الآن خريجي كليات الطب، وكذلك الأسلوب الذي يتعلم به الآن مناسب وكافي؟
الطبيب يحتاج دائماً جملة أشياء لابد من توافرها يأتي في مقدمتها عنصر التكوين، وأنا شخصيا لي ورقة في هذا الموضوع الهام، اعتمدت فيها على مرجعين قيميين الأول هو (الأسرة) لأستاذ القانون الجنائي د. على راشد، والثاني د. سعيد إسماعيل على عن (التنشئة الوطنية للإنسان المصري) . ومن خلال هذه الورقة ركزت على عدد من النقاط وهي أن ينعى هم من حوله، أن يتعود خدمة الغير تأهيلاً لخدمة المجتمع ، أن يعد للمشاركة المؤسسية، الإحساس بالمجموع والرغبة فى خدمة الغير، هذه جميعاً أسس للتنشئة السليمة.


حضرتك عاصرت مراحل مختلفة وتغيرات عدة طرأت على مسيرة التعليم في مصر، منذ أن كانت الجامعات المصرية تحتل مكانة مرموقة، والآن أصبح الأمر غير ذلك، فما هو تعليقك على هذه القضية ؟
أعتقد أن مصر لم تعط التعليم حقه، والاهتمام الكافي بقدر اهتمامها بالبنية التحتية والجيش والشرطة، إذ تم ذلك على حساب قضية التعليم والبحث العلمي. وأذكر أنه عندما سافرت الى انجلترا لاستكمال تعليمي، أن تصنيف الجامعات المصرية كان يأتي بعد كندا ويتقدم على جامعات أستراليا وجنوب أفريقيا والهند وهي جميعاً دول كان خريجوها يقصدون بريطانيا للتزود من العلم في جامعاتها المرموقة.
ولابد بأن نؤمن بأن الدول لا تبنى إلا في الفصل والمعمل، وإذا لم يكن صانع القرار الأول مؤمن بذلك، نفس مستوى الطالب الذي يلتحق بأي مجال إن لم يكن أساسه التعليمي قوي، ينعكس ذلك على مستواه المهني في أ] مجال يرتاده.
ولكن هل ترى في أن الشعب المصري يؤمن بالتعليم ؟
بلا أدني شك، فالفلاح البسيط على استعداد لأن يبيع كل ما لديه لكي يرى أحد أبنائه يحصل على الدكتوراة مثلاً. أصبح الحق في التعليم من المفاهيم الجديدة والإنجازات التى حققتها الثورة. لقد فطن القائمون على الثورة أهمية اشباع المصريين من هذا الباب، فأصبح التعليم حق لكل المصريين على اختلاف طبقاتهم.
بعد قيام الثورة، بدأ المصري يعتقد في أن فرد واحد متعلم في الأسرة كفيل بأن يغير من حالها بالكامل، مستوى ثقافتها، درجة تحضرها، مستواها المادي. لقد تولد لدى المصريين بعد الثورة، وعلى مختلف مستوياتهم، إيمان كامل بقضية التعليم.
وإن كنت شخصياً أرى أنه لم يتم التحضير الكافي لذلك، فالكلية التى تم اعدادها لكي تستوعب 300 أصبح أعداد طلابها 3000، وهناك كليات تقدر الأعداد فيها بعشرات الآلاف، لذا كانت النتيجة تكدس الجامعات وارتفاع معدلات البطالة بين الخريجين. ففتح أبواب الجامعات على مصراعيها كانت خير كبير للناس، ولكن عدم التحضير لذلك انعكس على مسيرة التعليم على مستوى الدولة بشكل سلبي.
وفي رأي سيادتكم، ما هي النقطة الفارقة التى أدت إلى هذا التحول؟
أعتقد أن هزيمة 67 كانت نقطة فارقة في تاريخ مصر، فمصر كانت تضع التعليم على رأس أولوياتها حتى هذا التاريخ، أم ما تلى ذلك من قرارات عاطفية جاء نتيجة اليأس الذي تمخض عن هذه التجربة المريرة والإحساس بالهزيمة، وأصبح الانطباع السائد أن أول مصريين حكموا مصر لم يستطيعوا الصمود في حرب استمرت 6 ساعات. لقد الحرب كسرت الطموح والأمل الموجودين لدى أبناء هذا الوطن.
وهل حدثت توابع أخرى لهزيمة 67؟
نعم، بعد هزيمة 67، بدأ نزيف الهجرة بين المصريين، خاصة ممن لم يحتملوا أمر الهزيمة. واتذكر أني كنت أحد أعضاء إحدى اللجان بالمجلس الأعلى للجامعات التى تجيز سفر الأساتذة بالخارج، وكان يعرض علينا سنوياً قرابة 300 أو 400 طلب سفر لأشخاص حاملين للدكتوراة يرغبون في الهجرة أو الإعارة أو حتى السفر لدول الخليج، بينهم من وصل في جامعته لدرجة العميد. وكان تعليقي على ذلك الوضع بأننا نبيع مستقبلنا.
لقد كانت فترة ضغط سياسي وإقتصادي ولكن الأخطر من ذلك كان الضغط النفسي الذي تولد لدى المصريين. لقد أصبح هذا هو الخطر الأكبر الذي برز خلال تلك المرحلة، وهو ما استجلب معه نوعيات جديدة من المرض لم نسمع بها من قبل في مصر، مثل تقرحات القولون مثلاً، فلم نكن نسمع بها من قبل ذلك التاريخ، لدرجة أنه عندما كان أحد التلمذة يسأل عن مثل هذه الأمراض، كانت الإجابة الموجزة بأنها أمراض لم تدخل مصر بعد.
واتذكر أنني وصفت حال المصريين في هذه المرحلة بأننا نعيش حالة من الإكتئاب الجموعي أو الإكتئاب القومي، وهو ما استدعى أحمد بهاء الدين رحمة الله عليه للتعليق على هذا المصطلح في إحدى مقالاته بأنك أول من يدخل هذا المصطلح إلى العربية.
لكن تكن هناك محاولة بعد يونيه 67 لإعادة بحث الروح من جديد في منظومة التعليم والبحث العلمي؟
وما أود الإشارة إليه هنا في هذا الصدد، أن خطة البعثات في مصر بعد الحرب العالمية الثانية بلغت 5000 مبعوث كان من بينهم د. مصطفى خليل و د. عزيز صدقي و د. عبد العزيز حجازي و د. مصطفى الجبلي و د. عبد الفتاح القصاص و د. مصطفى طلبة، وهؤلاء جميعاً أصبحوا فيما بعد بناة، واستمر الوضع هكذا إلى أن دخلنا للأسف في غيبوبة بعد توقفت حركة البعثات التى كانت بمثابة جرعة حياة تحقن في الفرد لكي يعبر من زمن إلى زمن. ولكن للأسف إنه بعد 67، رفع شعار أنه لا صوت يعلو فوق صوت المعركة وكان نتيجة ذلك أن تقاعس حق مصر في أولادها، وتراجعت مسيرة التعليم.
لذا جاء بيان 30 مارس 1968 كمحاولة لبث الروح في قطاعات التعليم والبحث العلمي من جديد، حيث صدر قرار إنشاء أكاديمية البحث العلمي كمظلة قومية لرعاية وتنمية والإنفاق على البحث العلمي لمجاراة التقدم العلمي الهائل الذي جري ومازال على المستوى العالمي.
المبادرة الثانية، كان إطلاق المجالس القومية المتخصصة لخدمة كافة مجالات الحياة، وكميزان لحركة تطور الوطن، عبر الاستفادة من الخبرات المكتنزة لدي أبناء هذا الوطن، حيث كان يتصور لها أن تكون همزة الوصل بين أهل الخبرة ورأس الدولة، لأن بعد الثورة أصبح الاعتماد على أهل الثقة أكبر وأعظم مما أدى لتراجع وانكماش دور أهل الخبرة وهو ما انعكس سلبياً على الحياة العامة في مصر.
واعتقد أن هاتين المبادرتين كانتا بمثابة بصيص من النور، البلد كانت في حاجة إليه.
استكمالاً لما تقوله حضرتك، كل المناصب التى شغلتها تتركز في 3 اتجاهات: التعليم والصحة والبحث العلمي، وهذه المجالات هي ذاتها الركائز الأساسية لقيام التنمية في أي بلد، فما هي العناصر الذي تنقصنا في مصر لكي تتحقق التنمية المرجوة ؟
التنمية ترتكز على عدة عوامل هى الصحة، التعليم، التنمية البشرية، البحث العلمي، وأخيراً العامل النفسي والذي يتمثل في الثقافة، الانتماء، الإخلاص، السلوك، الشعور بالأمل. وهذا الكلام ليس من بنات أفكاري، وإنما أكد عليه نهرو واحد من قمم الفلاسفة في القرن العشرين يقول" يوجد ثلاث منظومات لبناءالتنمية الأولي هي منظومة القيم، وجاءت هذه المنظومة قبل الصحة والتعليم، ثانيها منظومة التكوين البشري، والثالثة هي منظومة التكوين الاجتماعي" وفيما يتعلق بنا في مصر هو هجوم الكم على الكيف، أين طه حسين، توفيق الحكيم، سليمان حزين هؤلاء جميعاً جاءوا إفراز جودة التعليم، وهذا ما نفتقد إليه الآن.
اتذكر حادثة اشاعتها الصحافة حول أحد شباب الخريجين الجدد ويدعي عزت عبد الموجود عن كتب مقالاً عن تطوير التطوير، وكنت حضرتك وقتها نائب رئيس جامعة القاهرة، وقد أمرت بتعيينه مستشاراً لرئيس الجامعة على الرغم من أن عمره وقتها كان لا يتجاوز 27 عاماً ؟
نعم وبالفعل عمل عزت كمستشار للدكتور فتحي سرور عندما كان وزيراً للتعليم، وظل في منصبه هذا إلى أن انتقل الدكتور سرور إلى رئاسة مجلس الشعب.
وفي هذه الأثناء، اقترحت على رئيس الجامعة آنذاك الدكتور حسن بيه إسماعيل، إنشاء دورة اعداد المدرس الجامعي بهدف اعطاء العاملين في الجامعة خبرات تربوية عن كيفية التعامل مع الطالب الجامعي، اتذكر أنني اسندت مهمة وضع التصور المبدئي واللبنات الأساسية لهذا المشروع الي ثلاثة من الخبراء في هذا المجال هم د. سليمان حزين ود. القوصي بيه ود. حسن قطب، وكان عزت عبد الموجود أحد التربويين العاملين فى هذا المشروع. ونجحت الفكرة، وانتقلت فيما بعد الى جامعة عين شمس ثم الى جامعة الأسكندرية، كما أصبحت جزءا من القانون، حيث أصبح لزاما على أي طالب دكتوراه اجتياز دورة لهذا الغرض مدتها 3 أشهر، ولكن للأسف الشديد لم تستمر الفكرة داخل ذات الإطار الذي بدأت فيه، فبمجرد أن تركت منصبي جاء من بعدي ليقول ما لنا والإدارة وفرغت الفكرة الآن من المضمون الذي وضعت من أجله .
لكن لماذا يتم اجهاض مثل هذه الأفكار والمشاريع التى تمخضت عن رؤى ثاقبة ودراسات وجهود مكثقة لعلماء يشهد لهم بالكفاءة والنزاهة، الكثير من هذه المشروعات يتم وأده حتى قبل أن يبدأ، فما هو السر وراء ذلك؟
يمكن تلخيص الإجابة في جملة قالها العالم والمفكر الراحل جمال حمدان يصف فيها حال مصر، حيث قال "إن مصر هي العقل المكتسح والجسم الكسيح" . فدائما ما تنطلق أفكار ذات مستو رفيع، ولكن يطغى عليها في مراحل التنفيد كل رواسب المجتمع، وهو ما يؤدي لفشل الكثير من الأفكار والمشاريع.
خدمة في فلسطين، وهناك جاء لقاءك الأول مع الرئيس المصري جنال عبد الناصر، نود أن نسمع منك قصة هذا اللقاء ؟
أنا خدمت في فلسطين 6 أشهر في عام 1948، وتحديداً من مايو حتى يناير 1949. من المعروف أن الحرب قامت 15 مايو 1948 ثم أعلنت الهدنة في 6 يونيه، واتذكر هذا اليوم جيداً حيث زارنا الملك على الجبهة، ويومها وزعوا علينا ساعات كهدايا، ومازلت احتفظ بساعتي هذه حتى الآن، وخلال فترة الهدنة كنا وبقية أفراد دفعتي، قرابة 10 أفراد، نتبادل الزيارات، وكان من بين هؤلاء محمد صفوت أستاذ المالك البولية - رحمه الله - هو كان في منطقة تعرف بالمجدل، وكنت أنا في منطقة العجوة، لذا ركبت سيارة أجرة لزيارته وهناك سألت على مكانه، فأشار أحد الأشخاص إلى الخيمة التى يقيم بها، وهناك جلسنا نتبادل الحديث، ولكنه نبهني إلى ضرورة الكلام بصوت خفيض مشيراً إلى شخص بجواره نائم يستريح على أحد الأسرة، قائلاً لي – في إشارة إلى هذا الشخص - إنه كان مستقيظاً طوال الليل، والذي اتضح لي فيما بعد أنه كان الرئيس المصري جمال عبد الناصر، وبالطبع وقتها لم أكن أعرفه، حيث كان ما يزال برتبة صاغ.
وتمر الأيام، وبعد حوالي سنتين دعيت إلى حفل زواج حافظ اسماعيل أحد أفراد دفعة عبد الناصر على بنت أخت أحد أصدقائي المقربين الدكتور محمود خيري، وهناك تقابلنا حيث قدمني له أحد الأشخاص، وعندها التفت إلى قائلاً" مش أنت اللي جيت تزور صفوت وأنا نائم" .. ويضحك د. ابراهيم بصوت عالي معلقاً على الموقف بقوله " اتضح أنه كان منتبه لما يجري حوله حتى وهو نائم".
وهل حدث وتقابلت معه بعد ذلك ؟
نعم قابلته بعد الثورة، فعندما اندلعت مظاهرات طلبة الجامعة في ميدان التحرير، حيث كانت مصر مازالت تحت الاحتلال الانجليزي، وقتها كان السيد محمد نجيب رئيساً للجمهورية، وعبدالناصر كما نعرف جميعاً أحد أبرز عناصر الثورة، وقد للمستشفي الذي أعمل يتفقد أحوال الطلاب الذين أصيبوا بجروح في أثناء المظاهرات، وعندما رأني عرفني، وتوجه إلى بالسؤال هل مازلت تتذكرني، وأجبته بنعم.
وما هو الانطباع الذي تركته فيك هذه اللقاءت بعبد الناصر؟
بالفعل لقاء شخص كعبد الناصر لابد وأن يترك انطباع لدي أي إنسان، ففي المرة الأخيرة هذه بدا عليه الإجهاد كمن لم ينم منذ شهر كامل، فهو شخص يشعرك بأنه قادر على تحمل المسئولية التى تلقى على عاتقه، أيضاً تولد لدى الإحساس بأنه شخص مندفع لأن يصبح معروفاً لدى عامة الناس، وقد كان. من ناحية أخرى، عندما تنظر في وجهه تشعر بمصريته، فملامح وجهه مصرية بالكامل، كما أنها تعطيك انطباع بأنك أمام شخص طيب القلب.
وهل أصبحت فيما بعد طبيبه الخاص؟
لا لم أكن الطبيب الخاص لسيادته، وإنما دأبت أسرته على استدعائي عندما تحل أي مشكلة طبية لأحد أفرادها.
كيف ترى الرئيس الراحل محمد أنور السادات خاصة وأنك قد عملت معه لمدة 4 سنوات؟ واخترت كوزير في عهده؟
هو توليفة من الشخصيات ومن الصعوبة أن تحدد شخصيته في كلمات محدودة.
وكيف جاءت علاقتك بالسيدة أم كلثوم؟
بداية أنا ممن يعشقون صوت أم كلثوم، وقدر لي الله أن أجرى جراحة لأحد عازفي الكمان في فرقتها، وللاطمئنان على صحته، كانت تتحدث إلى كل يوم في التليفون للسؤال عن صحته، وكانت تشعر بفرحة عارمة لمجرد أن أؤكد لها عن أن صحته في تحسن.
وماذا عن علاقتك بفضيلة الشيخ الشعراوي؟
لقد وهبه الله ذكاءاً خارقاً وحلاوة في اللسان وقدرة على التعبير، وأنا كنت منتظم في الحضور في جلساته مع سيد بيه جلال رحمه الله أحد مريديه . وكان من حسن حظي دخولي معه الوزارة أنا كوزير للصحة وهو كوزير للأوقاف، ولقد طردنا معاً من الوزارة في ذات اليوم أيضاً. ولا أنسى كلمة الشيخ الشعراوي لرئيس الوزارة السيد ممدوح سالم حيث قال له معلقاً على إعلان السادات لقرار الإقالة " ياسي ممدوح، الحمد لله أنك أذقتنا طعم الوزارة حتى لا نشتهيها مرة أخرى" . والغريب أن الوزارة ظلت تعمل من 11 مايو وحتى 7 أكتوبر إلى أن تشكلت الوزارة الجديدة.
حديقة الأسماك لك معها قصة شيقة وغريبة في ذات الوقت، لذا نود ألا نختم هذا الحوار الشيق مع حضرتك قبل أن نشرك معنا القارئ في تفاصيل هذه الحكاية الطريفة ؟
أنا قرأت كلمة طاعون في منشور كانت ترسلها لنا إحدى الهيئات الصحية العالمية أسبوعياً، وكان توصيفه أنه في الحبشة والسودان وليبيا. عدت الي البيت وخلدت إلى النوم، وعندما استيقظت لصلاة الفجر وجدتني كاتب باللون الأحمر " حديقة الأسماك". وظللت في حيرة من أمرى ما تعني عيارة " حديقة الأسماك " وبعد قرابة ساعة، استطعت الربط بأن النبأ الخاص بالطاعون، والحديقة كمرتع للفئرات والحيوانات الناقلة للطاعون، وعلى الفور اتصلت بمدير مكتبي ، وقلت له كلم أحمد بيه رشدي مدير أمن القاهرة آنذاك، وبلغه ضرورة عمل كردون حول حديقة الأسماك، وبالفعل تم عمل اللازم بالتنسيق مع المهندس إبراهيم شكري وزير الزراعة واستطعنا يومها استخراج أعداد هائلة من الفئران، وبالتالي أنقذ الله مصر من الطاعون .

ـــــــــ
الحوار منشور على صحيفة الفجر المصرية - الملحق الطبي - عام 2008